مقدمة في الاتجاهات المعاصرة في ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنكليزية

اسْتُقِيتْ هذه المقدمة من مقدمة كتاب «ببليوجرافيا ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية من 1649-2002م: دراسة نقدية»، والكتاب قيد الطبع بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، والموضوع للبرفيسور عبدالرحيم القدوائي -قسم اللغة الإنكليزية، جامعة عليكرة الإسلامية بالهند- ترجمه الدكتور وليد بن بليهش العمري – مركز الترجمات، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-.

بسم الله الرحمن الرحيم
يقر عدد من المستشرقين – على نحو صريح – بأن القرآن الكريم أكثر الكتب قُرّاءً ((انظر: C.F.Potter, The Faith Man Lives By, Surrey, 1955, p.18
P.K.Hitti, History of the Arabs, London, 1953, p.426)) .وهذه حقيقة تؤكدها هذه الببليوجرافيا، إذ هي على الرغم من ضيق مجالها، ترصد ترجمات معاني القرآن الكريم الكاملة إلى اللغة الإنجليزية دون غيرها في الفترة ما بين عامي 1649-2002م، إلا أنها تلفت الانتباه إلى طبقة القراء الواسعة المنتشرة حول العالم التي تقرأ معاني القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، ففي عام 1980م كان هناك (296) طبعة لترجمات معاني القرآن الكريم الكاملة إلى اللغة الإنجليزية، سَجَّلَتْ تفاصيلها المرجعية بدقة “الببليوجرافيا العالمية لترجمات معاني القرآن الكريم: الترجمات المطبوعة” ((عنوانها باللغة الإنجليزية: World Bibliography of Translations of the Meaning of the Holy Quran: Printed Translations 1515-1980, Istanbul, Turkey, 1986.)) التي أعدَّها مركز أبحاث التاريخ والفن والثقافة الإسلامية التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ولكن هذا الرقم تضاعف ثلاثة أضعاف خلال عشرين عاماً، أي من (296) ترجمة عام 1980م إلى (890) ترجمة عام 2002م.والجدير بالذكر أن طبقة القراء هذه باتت أكثر انتشاراً على نطاق عالمي، ويؤيد هذا أماكنُ النشر المختلفة للترجمات الإنجليزية، إذ خرجَتْ هذه الترجمات مؤخراً من جميع الدول ذات الشأن في أمريكا وأوروبا وآسيا وإفريقيا، ويبقى الاستثناء الوحيد هو أستراليا.ومما تجدر الإشارة إليه أيضاً أنه – على وجه الإجمال حتى عام 1960م – كانت ترجمات المستشرقين تصدر في الغرب، وبخاصة في بريطانيا وأمريكا، أما ترجمات المسلمين فصدر أغلبها في شبه القارة الهندية.ولكن أغلب الطبعات للمترجمين المسلمين صدرت على نحو منتظم في الماضي القريب من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فبين عامي 1990 و2000م ظهرت مئات الطبعات لمترجمين مسلمين في الغرب، وعلى الرغم من هذا التحول فإن أغلب المكتبات في الغرب لا تزال تعرض ترجمات المستشرقين.فمثلا ترجمة اليهودي العراقي ن.ج.داود وترجمة أ.ج.آربري متوافرتان في معظم المكتبات ومحلات بيع الكتب، أما ترجمات الهلالي وخان، وبكثول، والدريابادي، فتحتاج إلى وقت ليُعترف بها على أنها ترجمات نموذجية لمعاني القرآن الكريم.

وممَّا يُفَسِّر الارتفاع غير المسبوق في عدد ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية وطبعاتها، أن القرآن الكريم هو كلام الله المحفوظ كما أُنزل، وهو ضالَّة الباحثين عن الهداية، ولذلك يقرؤه بحماسة وَنَهَم كلَّ يوم ملايين المسلمين في جميع بقاع الأرض ويتدارسونه؛ ولهذا فالقرآن الكريم يفوق كل الكتب الأخرى بما فيها الكتب المقدسة، مع توافر الإنجيل مترجماً إلى حوالي سبعمائة لغة في الأماكن العامة، ولكن: «عدد الأشخاص الذين يقرؤون ترجمات الإنجيل هذه كل عشرة أعوام لا يتعدى جزءاً بسيطاً من أولئك الذين يتلون القرآن كل يوم» ((انظر: Nadwi, Abdul Hasan Ali, “Introduction” to The Glorious Quran, translated by Abdul Majid Daryabadi, Leicester, UK, Islamic Foundation, 2001, p.ix.)) .

وتُبرز هذه الببليوجرافيا ملامح ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية المهمة التالية، ولاسيما في الوقت الراهن.
*  يقابل الارتفاعَ الحاد في عدد ترجمات المسلمين وتعدد طبعاتها انخفاض ملحوظ في ترجمات المستشرقين، فمنذ عام 1649م وحتى العشرينيَّات من القرن العشرين كان المستشرقون هم المسيطرين على هذه الترجمات.وحاول المسلمون بدايةً ترجمة معاني القرآن الكريم منافحةً عن كتاب الله العزيز ضد هجمات المستشرقين والمنصِّرين الهادفة إلى إيغار صدور عوامِّ القرَّاء تجاه القرآن الكريم، والترجمات الأولى للمسلمين كترجمة محمد عبدالحكيم خان (1905م)، وعبدالفضل (1912م)، وحيرت الدهلوي (1916م) تؤكد هذا المنحى، ولكن مع مرور الوقت تحوَّل هذا النشاط الدفاعي تدريجيا إلى نشاط إيجابي مفيد، لم يساعد ملايين المسلمين الذين يتحدثون الإنجليزية على تعاقب الأجيال ليتلقوا الهدي الإلهي فحسب، بل ومكَّن كثيراً من المنصفين من غير المسلمين من التعرف على حقيقة رسالة الإسلام.ولم تشهد السنوات القليلة الماضية ترجمة إنجليزية واحدة لمترجم غير مسلم، مما يحدو المرء على التساؤل: هل باتت محاولات المستشرقين في مجال ترجمة معاني القرآن الكريم شيئاً من الماضي؟ ومما يَسُرُّ النفسَ أن نرى المسلمين يترجمون كتابهم وفقاً لتعاليم دينهم السمحة.

*  وبازدياد أعداد المسلمين الجدد في الغرب الذين آثروا الإسلام على دين آبائهم سواءً أكان اليهودية أم النصرانية، اتجهت ترجمات معاني القرآن الكريم اتجاهاً جديراً بالملاحظة، وهو أن بعض هذه الترجمات قام بها عدد من هؤلاء مثل محمد مرمديوك بكثول (وهو بريطاني، كان نصرانياً، خرجت ترجمته عام 1930م)، ومحمد أسد (وهو نمساوي، كان يهودياً، خرجت ترجمته عام 1980م)، و ت.ب.إرفنج (وهو كندي، كان في الأصل نصرانياً، خرجت ترجمته عام 1985م)، وعائشة وعبدالحق بيولي (وهما أمريكيان، كانا نصرانيين، خرجت ترجمتهما عام 1998م)، وأما آراؤهم في بعض القضايا القرآنية التي لا تتفق مع رأي جمهور المسلمين فموضوع آخر يحتاج إلى مزيد من البحث.

*  جاء القرن العشرون الذي شهد ظهور عدد كبير من ترجمات المسلمين، متزامناً مع الاستعمار وحملات التغريب التي اجتاحت العالم الإسلامي، وبخاصة مصر وشبه القارة الهندية، ولذا لا غرو أن يتأثر بعض المترجمين المسلمين إلى مدى بعيد بمنهج التفسير العقلي ((منهج الدراسة العقلية الحديثة في تفسير القرآن، ظهر في بدايات القرن العشرين، وهو محاولة لمواكبة آراء من يطلق عليهم اسم التنويريين الذين بهروا بمظاهر التمدن والتطور العلمي في الغرب، وحاولوا إخضاع بعض الآيات القرآنية، وبخاصة تلك التي تتعلق بالغيب والمعجزات، لتأويلات يرون أنها تتوافق والعقل وقوانين الطبيعة، كل هذا من أجل التقريب بين الإسلام وطريقة التفكير الغربية.(المترجم).)) ، وعَلَتْ ترجماتهم نبرة اعتذارية ورغبة في تسويغ بعض آيات القرآن الكريم، وفق منحى معيَّن، وبخاصة الآيات التي تتعلق بالغيب، والمعجزات، ونعيم الجنة وعذاب النار.ويسلك هذا المنحى الذي يُفضي إلى اضطراب تعاليم القرآن الكريم في أذهان بعض القرَّاء أمثال كلٍّ من عبدالله يوسف علي (صدرت ترجمته عام 1934م)، ومحمد أسد (صدرت ترجمته عام 1980م)، وأحمد علي (صدرت ترجمته عام 1984م).

* وبالإضافة إلى المستشرقين والعقلانيين الاعتذاريين، فقد تلاعب القاديانيون بمعاني القرآن الكريم ورسالته في ترجماتهم، ومنهم: محمد علي (صدرت ترجمته عام 1917م)، وميرزا بشير الدين محمد أحمد (صدرت ترجمته في ثلاثة أجزاء بين عامي 1947 و1963م)، وملك غلام فريد (صدرت ترجمته عام 1934م)، ومحمد ظفر الله خان (صدرت ترجمته عام 1971م).وبتوجيه من مؤسس القاديانية ميرزا غلام أحمد (1835-1908م)، قامت مجموعة من ناشطي القاديانية يرأسهم محمد علي ويساعده ملك غلام فريد وغيره، بالعكوف على إخراج ترجمات إنجليزية لمعاني القرآن الكريم، وتَمَّ نَشْرُها على نطاق واسع، تَحْدوها روح الرغبة في كسب أتباع جدد ممن يتحدثون اللغة الإنجليزية.ويملأ صفحات هذه الترجمات تحريفٌ لتعاليم القرآن الكريم، ذو بعد طائفي جليّ فيما يخص أموراً هامة من أمور الإسلام مثل: إنكار أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء وخاتمهم حقاً، وتأكيد صَلْب عيسى عليه السلام.ولا يجدون غضاضة في تصوير ميرزا غلام أحمد على أنه المسيح الموعود، وكانت هذه الترجمات القاديانية التي تحمل أسماءً إسلامية هي الوحيدة المتوافرة سنوات عديدة، بالإضافة إلى ترجمات المستشرقين، مما أغرى بها كثيراً من القراء المسلمين غير المطَّلعين الذين لم يَفْطنوا لحقيقتها، ولكن بفضل النشاط الدعوي الكبير خلال الثلاثين عاماً الماضية انكشف أمر القاديانية، ومنذ عام 1971م لم تظهر أية ترجمة قاديانية جديدة بالإنجليزية، إلا أن الترجمات السابقة لهذا التاريخ يعاد طبعها كل حين.

* والتطور الآخر الذي نلاحظه هو ظهور ترجمات حديثة لفرق مثل الشيعة والبريلوية تعتمد على تأويل القرآن الكريم وفقاً لمعتقداتها، وترجمات الشيعة يمثِّلها كل من ترجمة: س.ف.مير أحمد علي (صدرت ترجمته عام 1964م)، وم.ﻫ.شاكر (صدرت ترجمته عام 1968م) وباقر بهبودي (صدرت ترجمته عام 1997م)؛ وأما الترجمات البريلوية فمن أهمها ترجمة: فاطمي (صدرت ترجمته في الستينيات من القرن العشرين)، وشاه فريد الحق (صدرت ترجمته عام 1988م)، وعبدالمجيد أولكهـ (صدرت ترجمته عام 1994م).وتهدف ترجمات الشيعة إلى تأييد معتقداتهم الخاصة، عن طريق العزو إلى الآيات القرآنية، وذلك نحو: الإمام المعصوم، وزواج المتعة، وتأكيد أن علياً رضي الله عنه هو أحق الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتقية، والنوح في شهر المحرم، وإحياء الذكرى السنوية لمقتل الحسين رضي الله عنه.أما بالنسبة للبريلوية فهم يتبعون أحمد رضا خان البريلوي (1858-1921م)، وكل الترجمات المذكورة تمثيلاً لهذه الطائفـة ترجمات إنجليزية لتفسير أحمد رضا البريلوي للقرآن الذي وضعه بالأردية، وعنوانه “كنـز الإيمان” الصادر عام 1910ﻫ.وفي هذا العمل إضافة إلى كتاباته الأخرى عن الإسلام يبالغ البريلوي في تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم تعظيماً يخـرج به عن الحدود الشرعية، وهذه الترجمـات تستهدف أتباعـه من متحدثي الإنجليزيـة ممن يعيشـون في الغرب.

* وقد تأثر عدد من المترجمين المسلمين بالتطور العلمي والتقني الكبير الذي شهده العالم وبالمنافع الكبيرة التي جَلَبَتْها للبشرية، ومنهم: نوري (صدرت ترجمته عام 1964م)، وعرفات (صدرت ترجمته عام 1990م)، وأحمد ودينا زيدان (صدرت ترجمتهما عام 1991م)، الذين يحاولون قراءة النظريات العلمية المعاصرة في القرآن الكريم، فحماستهم لبيان فضل القرآن الكريم – من باب أنه أخبر عن المستحدثات العلمية، التي عرفها الناس في الوقت الراهن – خاطئة وغير مسوّغة؛ لأن هذه النظريات لم تثبت صحتها علمياً.ومَنْ أخذ بهذا الاتجاه من المترجمين المسلمين يُعَدُّ قليلاً.

* وأسوأ من هذا، اتخذ بعض المترجمين من ترجمة معاني القرآن الكريم وسيلة للتعبير عن آرائهم الخاصة التي ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بنص القرآن الكريم.خذ مثلاً إشفاق حسين (صدرت ترجمته عام 1991م) مترجم التفسير الذي وضعه محمود الحسن وشبير أحمد العثماني باللغة الأردية.وأكثر من هذا ما قام به رشاد خليفة (صدرت ترجمته عام 1978م) وم.أ.ك.بتهان (صدرت ترجمته عام 1993م) مِنْ تجاوُز الحدود المسموح بها في مجال الترجمة، فعلى الرغم من أسمائهم التي توحي بهويتهم الإسلامية فقد شكَّكوا في كل ما هو ثابت في الإسلام، مثل صحة القرآن الكريم والحديث وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.وبما أن هذه الأفكار المارقة تظهر في أعمال تدَّعي أنها ترجمات لمعاني القرآن الكريم، يُخْشى أن بعض القرَّاء غير المطلعين الذين لا يستطيعون التفريق بين تعاليم القرآن الكريم وكلام كل من خليفة وبتهان يقعون في حبائلها.

* والاتجاه الآخر الذي يؤسف له هو ما قام به بعض المترجمين من الاقتباس من ترجمات سابقيهم دون الإشارة إليها، ومن أهم الترجمات التي اقتُبس منها ترجمة كل من عبدالله يوسف علي ومحمد مرمديوك بكثول، فمن دون أي اعتبار لحقوق الملكية الفكرية نجد بعض المترجمين يقتبسون من سابقيهم على نحو حرفي.وهذه السرقات الأدبية تصبح أكثر خطورة إذا ما كانت في مجال نبيل مثل ترجمة معاني القرآن الكريم.

* وبالإضافة إلى الترجمات المستقلة التي قام بها عدد من العلماء، أصبح هناك طلب متزايد من القراء على التفاسير الشاملة، التي تحوي مختارات من التفاسير المُعتدِّ بها، مما يساعدهم على معرفة كيف فُهِم القرآن الكريم في العصور الإسلامية المبكرة.ومن نافلة القول أن نؤكد أن المسلمين ينظرون إلى التفاسير التي يُعتدُّ بها نظْرة تقدير.واستجابة لهذا الطلب قام محمد تقي الدين الهلالي ومحسن خان (صدرت ترجمتهما عام 1974م) بترجمة إنجليزية مختصرة لتفسير ابن كثير مدعومة بمختارات من التفاسير المقبولة الأخرى والأحاديث الصحيحة، وفي العقد الماضي (1994-2003م) حازت هذه الترجمة – وهي عبارة عن مجموعة أعمال – قبولاً واسعاً، فالطبعة الأخيرة انتشرت في أماكن متفرقة من العالم، وصدر من هذه الترجمة أكثر من خمس عشرة طبعة لاقت استحساناً عالمياً.وترجمة عبدالمجيد أولكهـ (صدرت ترجمته عام 1994م) اتَّبعت الخطا نفسها، إلا أنها اقتصرت على مختارات من بعض الترجمات الأردية والإنجليزية والفارسية.والعمل المشابه الآخر هو مشروع لم يكتمل عنوانه “تفسير إشراق المعاني” أعده سيد إقبال زهير، خرج منه ستة أجزاء حتى عام 2002م في بنقلور بالهند.

* وعادة ما يُصدر المؤلفون طبعاتٍ مراجَعة تستفيد من أعمالهم السابقة، وهي ممارَسة تعترف بها وتُقرُّها الأوساط الأكاديمية، ولكن فيما يخص ترجمات معاني القرآن الكريم فقد أخذ هذا الاتجاه بُعْداً جديداً، إذ ظهرت ترجمات مراجعة لمترجمين متوفَّيْن مثل عبدالله يوسف علي، ومحمد مرمديوك بكثول، وس.ف.مير أحمد علي، وشير علي.وهذه الأعمال التي تتم بعد موت أصحابها تثير كثيراً من الشكوك وعلامات الاستفهام: فكيف نعزو بعض الآراء إلى المترجم وهو لم يعتمدها؟ فأفكار عبدالله يوسف علي التي هي بلا شك خاطئة تمت إزالة بعضها من الطبعات الجديدة وتبديل غيرها بها، كما تم اختصار بعض الطبعات وتهذيبها وتحديث لغتها، مما يجعل الربط بين الطبعة الجديدة والترجمة الأصل عسيراً جداً، وفي الطبعة المراجَعة الصادرة عام 1997م لترجمة شير علي المتوفى عام 1947م تم إدخال (910) تعديل.وعلى الرغم من فوائد هذه المراجعات، إلا أنه من الأفضل إخراج ترجمات جديدة مستقلة.

* وثمّة ممارسة مغايرة لهذه الأخيرة وهي أن يقوم المترجم بمراجعة ترجمته وإخراجها في طبعات جديدة كما فعل ن.ج.داود في الطبعة الصادرة عام 1990م، ففي الترجمة الأولى رتب المترجم السور وَفْقَ ما رأى أنه الترتيب الزمني لنـزول السور، ولم يضف النص العربي إلى الترجمة، ولكن منذ عام 1990م خرجت طبعاتٌ ثنائية اللغة تحمل النص القرآني.والأهم من هذا هو أنها اتبعت ترتيب السور الموقوف منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فهي لا تزال تحمل التطاول المغرض نفسه على القرآن الكريم والرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

* ومنذ عام 1970م استجدَّ أمر جديد في مجال ترجمات معاني القرآن الكريم وهو خروج طبعات إنجليزية لبعض التفاسير التي أُلِّفت ونشرت بالأردية، فقد خرجت ترجمات إنجليزية تُعَدُّ من قبيل الترجمات غير المباشرة ومن أمثلتها ترجمات إنجليزية لعلماء شبه القارة الهندية مثل: أبو الكلام آزاد، وسيد أبو الأعلى المودودي، والمفتي محمد شفيع، ومحمود الحسن، وشبير أحمد العثماني.فالأعداد المتزايدة للمسلمين المنحدرين من أصول هندية وباكستانية والذين يعيشون في الغرب، ويتحدثون اللغة الإنجليزية ورغبتهم في تفسير القرآن الكريم وفق التزام بعض الآراء الفكرية، فكان هذا أهم الأسباب التي دعت إلى ظهور هذا النوع من الترجمات غير المباشرة والإقبال عليها، فقد وضع أغلب هؤلاء العلماء كتاباتهم في النصف الأول من القرن العشرين، واشتهرت بسبب رَدِّها البليغ على تحدي العلمانية والمادية الذي واجهه المسلمون في شبه القارة الهندية إبان الاستعمار البريطاني، على نحو أوسع مما كان عليه الأمر في بقية دول العالم الإسلامي.وهذا يوضح السبب الوجيه وراء إعادة إصدار هذه الأعمال بالإنجليزية؛ وذلك لكي ترجع إليها الأجيال الجديدة من المسلمين الذين وُلدوا ونشؤوا في الغرب، ليصبحوا أكثر صلة بالإسلام، كما ساعدت الأجيال السابقة قبل نحو نصف قرن.وعلى الرغم من هذا الجانب الإيجابي يعد هذا النوع من الترجمات اقتباساً من ثقافة إلى ثقافة غريبة عليها، علاوة على أنها – مع التسليم بتمثيلها لبعض المدارس الفكرية الإسلامية – نشأ بعضها عن تفسير ضيق وجامد للقرآن، وتعمل على تعزيز هذا الفكر على حساب قضايا أكثر أهمية ومعاصرة، فهم لاهتمامهم المنصَبِّ على إبراز محاسن مدارس فقهية وفكرية بعينها، وتركيزهم على قضايا محلية نالت الاهتمام في زمن سابق، يصوغون بهذه الترجمات تعاليمَ القرآن الكريم غيرَ كاملة.والعيب الكبير في هذه الترجمات أيضاً هو مستواها المتدني من حيث اللغة والأسلوب وطريقة الإقناع، ويزيد الأمر سوءاً عدم إحاطة بعض المترجمين بالمعاني الدقيقة للغة الإنجليزية الأنموذجية، ممَّا يصرف بعض القراء عنها.

ونخلص من هذه الملاحظات إلى أن مجال ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية لا يخلو من الإشكالات، وعلى الرغم من أن المسلمين هم المسيطرون على الترجمات في الوقت الحالي – إذ إنهم أبعدوا المستشرقين والقاديانيين – فلا تزال الحاجة قائمة لترجمة أنموذجية ذات قبول واسع.وهذه الترجمة يجب أن تخرج وفقاً للشروط التالية:

1. أن تكون اللغة الإنجليزية المستخدمة لغة سهلة فصيحة سليمة من الأخطاء.
2. أن تبتعد عن الحرفية التي قد تُخفق في نقل المعنى، وعن التصرُّف في النقل الواسع الذي قد يُدْخل في القرآن الكريم ما ليس فيه.
3. أن تعطي القارئ معلومات عن السياق الذي نزلت فيه السور والموضوعات التي تتحدث عنها، والزمن الذي نزلت فيه من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه المادة التاريخية يجب إضافتها لتقريب القارئ من فهم رسالة الإسلام الذي يناسب كل البشر وهو صالح لكل الأزمان والعصور.
4. يجب إيضاح المصطلحات والعبارات القرآنية الخاصة على نحو دقيق مختصر، أما مناقشة تطور هذه العبارات والكلمات ووجوهها ومعانيها المختلفة فتكون في عمل مستقل، وأما القراء المهتمون بقراءة مناقشات مستفيضة فيرجعون إلى المعاجم الموثقة وكتب أئمة التفسير.
5. يجب أن تُبرز ملامح الهدي الإلهي الذي يؤدي لرضا الله سبحانه وتعالى، ولتنشئة النشء؛ ليحسن إسلامهم، وليعيشوا حياتهم وفقاً لتعاليم دينهم.ولكن ينبغي ألا نُكثر من إيراد الأحكام الفقهية، لاختلاف المسلمين حول تفريعاتها، ولأن التركيز على الأحكام الفقهية وفقاً لمذهب معين قد يُبعد أصحاب المذاهب الأخرى، ويمكن إضافة كتب الفقه المعروفة في قائمة المراجع للاطلاع عليها لمن أراد.
6. يجب أن تقتصر الحواشي على القليل المهم، لأن كثرتها قد تصرف ذهن القارئ عن متن النص وهو المهم.والثابت أن الترجمات التي تلجأ إلى الحواشي الكثيرة تكون ذات ميل معين: إما إلى التصوف، أو إلى التفسير العلمي، أو إلى مناقشة تفريعات الأحكام الفقهية.والقرآن الكريم هو أفضل مفسِّر لنفسه، ومن ثم تأتي الأحاديث الصحيحة، إضافة إلى أن بعض أحداث سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تفيد في فهم معنى القرآن الكريم.
7. تجب العناية بإخراج ترجمة يمكن تقديمها للقراء بلغة مناسبة مقروءة؛ لأن القراء عادة، على الرغم من شغفهم بالمعرفة، لا يتحملون قراءة أي نص يُظْهر قصوراً في استخدام لغتهم، ويجب بذل الجهد في الترجمة البسيطة دون التخلِّي عن جمال الأسلوب، وينبغي تحاشي الكلمات الغريبة والتعابير التي تُذَكِّر القراء بلغة الإنجيل، ويجب أن تذيل الترجمة بَثبَت بالكلمات والتعابير القرآنية، وكذلك ينبغي أن تبدأ الترجمة بتعريف مختصر بالإسلام، وأركانه، ومعالم من شخصية الرسول التي يجب أن تُحتذى، وموضوعات القرآن الكريم وبعض المسائل المهمة في فهمه، وكل هذا من شأنه أن يسهم كثيراً في جعل القارئ أكثر استعداداً لتقبل تعاليم القرآن الكريم.

الحواشي

Scroll to Top